وقت القراءة :
بعد أن نام الأطفال، أمسكت هاتفها لبضع دقائق. تنقلت بين الصور والمقاطع القصيرة، فرأت صديقة تعلن انتهاءها من دورة في التصميم، وأخرى تحتفل بأول عميل لمشروعها، وثالثة تتحدث بحماس عن مهارة جديدة بدأت تتعلمها.
ابتسمت لهن، ثم أغلقت الهاتف وهي تقول في داخلها:
يجب أن أتعلم أنا أيضًا
ربما مررتِ بهذه اللحظة من قبل، وربما لم يكن السبب منشورًا على مواقع التواصل، بل حديثًا مع صديقة، أو إعلانًا عن دورة تدريبية، أو قصة نجاح قرأتِها في مكان ما. وفجأة بدأت الأسئلة تتزاحم في ذهنك:
هل تأخرت؟ هل فاتتني فرص كثيرة؟ ما المهارة التي ينبغي أن أتعلمها؟ ومن أين أبدأ؟
غالبًا ما تكون أول خطوة نقوم بها هي البحث عن أفضل المهارات، أو مقارنة عشرات الدورات، أو سؤال الآخرين عمّا ينصحون به. وكأن المشكلة كلها تختصر في اختيار المهارة المناسبة.
لكن الحقيقة أن كثيرًا من الناس لا يواجهون صعوبة في اختيار المهارة، بل يبدؤون رحلة التعلم من نقطة لا تقودهم إلى المكان الذي يريدونه.
ولهذا، قبل أن نفكر في المهارة التي سنتعلمها، ربما يجدر بنا أن نتأمل نقطة البداية نفسها.
لماذا تبدأ رحلة التعلم من نقطة البداية الخطأ؟
في السنوات الأخيرة أصبح التعلم حاضرًا في كل مكان. نراه في القصص التي يشاركها الآخرون، وفي الدورات التي تُعلن باستمرار، وفي النصائح التي تؤكد أن تعلم مهارة جديدة قد يفتح أبوابًا لفرص أفضل.
ومع تكرار هذه الرسائل، يبدأ شعور خفي بالتسلل إلينا. نشعر أن الجميع يتحرك إلى الأمام، وأن علينا أن نبدأ نحن أيضًا، حتى لا نتأخر أكثر.
ولا مشكلة في أن يلهمنا الآخرون، فالإلهام قد يكون بداية جميلة لأي رحلة. لكن المشكلة تظهر عندما يتحول هذا الإلهام إلى استعجال، فنشعر أننا يجب أن نبدأ بأي طريقة، وأسرع وقت ممكن.
عندها يتجه اهتمامنا مباشرة إلى البحث عن المهارة المناسبة. نفتح محرك البحث، أو نتصفح الدورات، أو نسأل من حولنا: ما المهارة التي ينبغي أن أتعلمها؟
في تلك اللحظة، نظن أننا بدأنا رحلة التعلم من أول خطوة.
لكن الحقيقة أن اختيار المهارة ليس نقطة البداية، بل خطوة تأتي لاحقًا.
أما البداية الحقيقية، فهي أن نتوقف أولًا لنعرف من أين يجب أن تبدأ رحلتنا.
لا تبدإي بالمهارة.. ابدئي بنفسك
بعد أن ندرك أن اختيار المهارة ليس نقطة البداية، يظهر سؤال أكثر أهمية:
إذا لم تكن المهارة هي البداية، فمن أين أبدأ؟
الإجابة قد تبدو بسيطة، لكنها تغيّر طريقة التعلم كلها.
ابدئي بنفسك.
قبل أن تبحثي عن دورة، أو تضعي قائمة بالمهارات التي تريدين تعلمها، اسألي نفسك سؤالًا واحدًا:
ما الذي أريد أن يتغير في حياتي؟
قد يبدو هذا السؤال بعيدًا عن التعلم، لكنه في الحقيقة هو الذي يمنح التعلم اتجاهه.
فالفرق كبير بين من تتعلم لأنها تريد زيادة دخلها، ومن تتعلم لأنها تستعد للعودة إلى العمل، ومن تتعلم لأنها تحلم بإطلاق مشروعها الخاص، أو لأنها ترغب في إدارة وقتها بثقة أكبر، أو حتى لأنها تريد أن تساعد أبناءها في دراستهم.
قد تتشابه المهارات التي يتعلمها هؤلاء، لكن دوافعهم مختلفة، ولهذا تختلف الطريق التي تناسب كل واحد منهم.
لهذا السبب، لا تكون المهارة هي أول ما نختاره، بل النتيجة التي نريد الوصول إليها.
وعندما تتضح الوجهة، يصبح اختيار المهارة أسهل بكثير، لأنك لن تسألي: ما المهارة الأكثر انتشارًا؟ بل ستسألين: ما المهارة التي تقرّبني مما أريده فعلًا؟
وهنا يكمن الفرق بين من يتعلم لأنه يرى الجميع يتعلمون، ومن يتعلم لأنه يعرف إلى أين يريد أن يصل.
المشكلة ليست أنك لا تعرفين ماذا تتعلمين.
المشكلة أنك لم تحددي بعد لماذا تريدين أن تتعلمي.
وعندما تعرفين الإجابة عن هذا السؤال، لن يصبح التعلم عبئًا، ولا سباقًا للحاق بالآخرين، بل خطوة طبيعية في الطريق الذي اخترته لنفسك.
تذكري
الطريق لا يبدأ عندما تجدين المهارة المناسبة، بل عندما تعرفين الحياة التي تريدين الوصول إليها.
لكل رحلة تعلم سببها الذي يشبهها
بعد أن تسألي نفسك: ما الذي أريد أن يتغير في حياتي؟ قد تكتشفين أن إجابتك مختلفة تمامًا عن إجابة غيرك.
وربما هذا أفضل ما في الأمر.
فليست كل رحلات التعلم متشابهة، لأننا لا نعيش الحياة نفسها، ولا نواجه الظروف نفسها، ولا نحلم بالأشياء نفسها.
قد تكون هناك أم تريد العودة إلى سوق العمل بعد سنوات من التفرغ لأسرتها، فتبدأ بتعلم مهارة تساعدها على استعادة ثقتها بنفسها والدخول إلى هذا العالم من جديد.
وقد تكون أخرى تبحث عن مصدر دخل إضافي يخفف عنها أعباء الحياة، فتتعلم مهارة تستطيع ممارستها من المنزل.
وربما تكون ثالثة لا تفكر في عمل أو مشروع الآن، لكنها تريد أن تصبح أكثر قدرة على تنظيم وقتها، أو استخدام التقنية بثقة، أو مساعدة أطفالها في دراستهم.
قد تختلف الأسباب، لكنها كلها أسباب تستحق أن تبدأ من أجلها رحلة تعلم.
ولهذا لا يوجد سبب صغير، ولا سبب أكثر قيمة من غيره.
قيمة رحلة التعلم لا تأتي من اسم المهارة، ولا من إعجاب الآخرين بها، بل من قدرتها على خدمة الحياة التي تريدين أن تعيشيها.
عندما يصبح سببك واضحًا، لن تحتاجي إلى مقارنة رحلتك برحلات الآخرين.
قد تبدأ رحلتك بسبب بسيط في نظر الآخرين، لكنه إذا كان سيجعل حياتك أفضل، فهو سبب كافٍ لتتعلمي.
فالرحلات التي تغيّر حياتنا لا تبدأ دائمًا بالأسباب الكبيرة، بل بالأسباب التي تشبهنا.
توقفي للحظة
قبل أن تغلقي هذه الصفحة، خذي دقيقة واحدة، واسألي نفسك:
إذا استطعتِ أن تغيّري شيئًا واحدًا في حياتك خلال العام القادم، فما هو؟
لا تفكري في المهارة الآن، فكري في التغيير الذي تتمنين أن تعيشيه، فالإجابة عن هذا السؤال هي التي ستقودك لاحقًا إلى المهارة المناسبة، وليس العكس.
قد تبدو رحلة التعلم وكأنها تبدأ بالتسجيل في دورة، أو شراء كتاب، أو اختيار مهارة، لكن كل ذلك ليس سوى خطوات تأتي لاحقًا.
أما البداية الحقيقية، فتبدأ عندما تعرفين ما الذي تريدين أن يتغير في حياتك، ولماذا يستحق هذا التغيير أن تبذلي جهدك من أجله.
حينها لن يكون التعلم محاولة للحاق بالآخرين، ولا استجابة لضغط تشعرين به، بل قرارًا نابعًا منك، يقودك خطوة بعد خطوة نحو الحياة التي تريدين أن تبنيها.
وهنا… تبدأ رحلة التعلم من المكان الصحيح.
وفي المقال القادم، سنخطو الخطوة التالية في هذه الرحلة، ونتعرف على “كيف تختارين المهارة المناسبة لك، دون أن تضيعي بين كثرة الخيارات“


